رصد تحليل لموقع "مودرن دبلوماسي" أحدث مظاهر الدعم المصري للقوات المسلحة السودانية، قائلاً إن وزارة الخارجية المصرية استخدمت لغةً دقيقةً يوم الاثنين لإعادة تأكيد موقفها المألوف: الدعم الثابت لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ولمؤسساته الوطنية، ولا سيما القوات المسلحة السودانية.
وأضاف أن هذا البيان، الذي صِيغ على أنه رفضٌ لـ"الكيانات الموازية" التي تسعى لتشكيل حكومة بديلة في المنفى يُعدّ مؤشرًا آخر على أن القاهرة تُحكم قبضتها على سياستها تجاه السودان أكثر من أي وقت مضى، بالتعاون مع الفريق أول عبدالفتاح البرهان والقوات المسلحة السودانية، في ظل استمرار الحرب الأهلية في البلاد لعام آخر.
وأشار إلى أن وراء الصياغة الدبلوماسية يكمن خيار سياسي واضح. فمنذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، برزت مصر كأحد أبرز الداعمين الإقليميين للجيش، سياسيًا، وضمنيًا - وفقًا لتقارير متعددة - أمنيًا.
الدفاع عن مؤسسات الدولة السودانية
ويؤكد المسؤولون المصريون أنهم يدافعون عن مؤسسات الدولة السودانية ضد تشرذم الميليشيات والتدخل الخارجي، وهي رسالة يكررونها في المحافل متعددة الأطراف والبيانات المشتركة مع مجلس السيادة الانتقالي برئاسة البرهان.
وأشار التقرير إلى وجهة النظر المصرية التي تُعتبر المخاطر في السودان وجودية وليست مجردة، ويصف المحللون المصريون استقرار جارتهم الجنوبية باستمرار بأنه مصدر قلق بالغ للأمن القومي، مشيرين إلى مخاوف من تدفقات اللاجئين وتهريب الأسلحة وملاذات آمنة للجهاديين على طول الحدود الرخوة.
وقال: يُعدّ التحكم في النيل دافعًا أعمق: فمنذ سقوط عمر البشير عام 2019، كثّفت مصر التنسيق الأمني والعسكري مع الخرطوم لمواجهة سد النهضة الإثيوبي في أعالي النهر، والحفاظ على حصتها التاريخية من المياه.
واعتبر ان ثمة تقاربًا واضحًا بين النظام والأمن، وإن كان هذا التقارب خاطئًا. إذ يُمثل البرهان، وهو ضابط محترف تلقى تدريبه في القاهرة ويحافظ على علاقات وثيقة مع جنرالات مصريين، نموذجًا استبداديًا مألوفًا لـ (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي، وهو نفسه جنرال سابق وصل إلى السلطة بعد انقلاب عام 2013.
ويتماشى دعم القوات المسلحة السودانية مع نمط مصر طويل الأمد في الانحياز إلى الجيش السوداني "أيًا كان من يتولى قيادته"، ويعزز تفضيل القاهرة الأوسع نطاقًا للجيوش المركزية القوية على الانتقالات المدنية الفوضوية في المنطقة.
وتُصرّ مصر رسميًا على أنها ليست طرفًا في حرب السودان. وقد تعهّد السيسي مرارًا وتكرارًا بـ"عدم التدخل"، وتُصوّر القاهرة دورها على أنه يقتصر على الوساطة والمساعدات الإنسانية واستضافة ملايين السودانيين الفارين من الصراع.
ووُصفت القوات المصرية التي أسرتها قوات الدعم السريع في قاعدة مروي الجوية في أبريل 2023 بأنها كانت تشارك في مناورات مشتركة مُجدولة مسبقًا، وليست عمليات قتالية، وهو تبرير لم يقتنع به سوى قلة من المراقبين الدوليين.
تعاون استخباراتي وروابط عسكرية
وفقًا للتقرير، فإن الخط الفاصل بين الوجود الرادع والتدخل الفعلي أصبح غير واضح بشكل متزايد. ويشير المحللون إلى سنوات من تكثيف التدريبات المشتركة والتعاون الاستخباراتي والروابط العسكرية بين الجيشين منذ عام 2019.
وأفادت مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الإقليمية بشن غارات جوية مصرية غير مؤكدة على مواقع قوات الدعم السريع، واحتمال استهداف معسكرات تعدين الذهب في شمال السودان، وسط مزاعم من قادة قوات الدعم السريع بأن القاهرة تقدم طائرات مسيرة ودعمًا تكتيكيًا للقوات المسلحة السودانية، وهي مزاعم تنفيها مصر. واعتبر التحليل أن هذا يشير على أقل تقدير، إلى وجود مظلة أمنية واقية لقوات البرهان، تتجاوز بكثير الحياد الصارم الذي تعلنه القاهرة.
لكنه رأى أن مصر تدعم شريكًا محفوفًا بالمخاطر، من خلال بربط استراتيجيتها في السودان بشكل شبه كامل بالقوات المسلحة السودانية ومجلس سيادة بقبادة البرهان، وتراهن مصر على رجل ومؤسسة يبدوان عاجزين بشكل متزايد عن إعادة توحيد البلاد، بعد أن خلّفت الحرب عشرات الآلاف من القتلى، وشردت أكثر من 14 مليون شخص، ودفعت أجزاءً من السودان نحو المجاعة، في ظلّ صراع متواصل بين الجيش وقوات الدعم السريع، حيث يخسر الجيش ويستعيد الأراضي في مواجهة مستمرة.
شرعية البرهان
ووصف التقرير شرعية البرهان نفسه بأنه محلّ جدل كبير: فقد قاد انقلاب 2021 الذي أطاح باتفاق هشّ لتقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين، وتنظر جماعات الديمقراطية على نطاق واسع إلى حكومته على أنها استمرار للهيمنة العسكرية لا طريق نحو الانتخابات.
وعلق قائلاً: "يبدو رفض القاهرة القاطع لمفهوم "الحكومات الموازية" وكأنه دفاع عن وحدة الدولة، لكنه في الواقع يُخاطر بنزع الشرعية عن التحالفات المدنية الحقيقية الساعية للتنظيم خارج ثنائية القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فمن خلال مساواة "المؤسسات الوطنية" السودانية بالقيادة العسكرية القائمة، تُضيّق مصر الأفق السياسي وتُهمّش القوى المدنية الواسعة التي قادت انتفاضة 2018-2019، وهي تحديدًا الجهات الفاعلة الأقدر على التوصل إلى تسوية مستدامة وشاملة".
وتوقعت في حال استمر تفكك القوات المسلحة السودانية في ساحة المعركة أو فقدت المزيد من السيطرة على الأراضي، أن تجد القاهرة خطوطها الحمراء قد حصرتها في الدفاع عن مركز قوة متقلص ذي دعم شعبي متضائل.
وهناك أيضًا تكلفة طويلة الأمد على سمعة مصر، كما يحذر التقرير. فهي تُصوّر نفسها كوسيط من خلال منصات مثل "الحوار الرباعي"، وتستضيف مؤتمرات للفاعلين المدنيين والسياسيين السودانيين في القاهرة. ولكن طالما أن دبلوماسيتها العامة مقيدة بوعود صريحة بأنها "لن تتهاون أو تتأخر في دعم الحكومة السودانية الشرعية" برئاسة البرهان، فإن هذا الموقف يفتقر إلى المصداقية. بل على العكس، فقد تحالفت مصر بشكل حاسم وفعّال مع المجلس العسكري الحاكم في السودان.
https://moderndiplomacy.eu/2026/06/27/cairo-doubles-down-on-sudans-army-but-backs-a-fading-bet/

